وها هو رمضان يرحل...

 


د عبد الله عنان 



"وها هو رمضان يرحل...

ها نحن نقف على أعتاب الوداع، نراقب اللحظات الأخيرة وهي تتسلل من بين أيدينا كما يتسلل الضوء الأخير عند مغيب الشمس. كان رمضان ضيفًا كريمًا، خفيفًا في قدومه، ثقيلًا في رحيله، يترك خلفه فراغًا لا يملؤه سوى الحنين.

لكن، أيّ وداع هذا؟ كيف نودّع شهرًا كنّا فيه أقرب إلى الله مما نحن عليه الآن؟ كيف نودّع ليالٍ وقفنا فيها بأجسادٍ مُتعبة، وقلوبٍ مُثقلة، وأيدٍ مرتفعة للسماء؟ كيف نودّع أيامًا غَسَلت أرواحنا، ثمّ سمحنا لها أن تتلوّث من جديد؟لم يكن وداعًا فقط، بل كان شهادةً علينا... على الركعات التي تثاقلت أقدامنا عنها، على الدموع التي لم تسقط حين كان ينبغي لها أن تسقط، على الصفحات التي بقينا نؤجلها حتى ضاعت الأيام من بين أصابعنا. كنّا نحلم بأن نختمه بخير، فإذا بنا نختمه بالحسرات، نحاسب أنفسنا أكثر مما حسبناها في لياليه. والآن، رمضان يطوي صحيفته، يرحل كما يرحل كل شيء، ولا ندري هل لنا منه لقاء آخر، أم كان هذا آخر عهدنا به؟ سننتظر العام المقبل، نُمنّي أنفسنا بأن نكون أفضل، لكن من يضمن أن الأعمار تمتد؟ من يضمن أن القلوب التي تليّنت لن تعود أقسى مما كانت؟ هل سنعود كما كنّا قبل رمضان؟ هل جبرنا ما انكسر في أرواحنا؟ هل غَفَرنا، هل غُفِر لنا؟ هل بدّلنا الذنوب بالحسنات، أم بدّلنا لحظات الإخلاص بالغفلة؟ هل بقي لرمضان أثر فينا، أم كان مجرد عابرٍ آخر، عبر كما عبر كل شيء قبلَه؟

في النهاية، لا يبقى إلا الأثر... لا يبقى إلا من حمل رمضان في قلبه، لا في تقويمه، لا يبقى إلا من لم يكن رمضان عنده زائرًا، بل حياةً ممتدة بعد رحيله.

Post a Comment

أحدث أقدم