بقلم يوسف اليامي
العيد في وطني ليس مجرد مناسبة عابرة تمر بين الأيام، بل هو نبض الحياة الذي يعيد إلى القلوب بهجتها، وإلى الشوارع ألوانها، وإلى البيوت دفئها. هو ذلك الصباح الذي يحمل معه رائحة الطفولة، صوت التكبيرات يعلو من المآذن، ويهتز له القلب قبل الأذن، فيرتجف الشعور بين رهبة العظمة وفرحة اللقاء. في وطني، العيد ليس يومًا عاديًا، بل هو لوحة تمتزج فيها الفرحة بالحنين، والضحكات بالدموع، وكأن الزمن يمنحنا لحظة استثنائية نعيشها بكل جوارحنا.
منذ اللحظة الأولى التي يطل فيها العيد، تبدأ الطقوس التي تعودنا عليها منذ الصغر، لكنها رغم تكرارها لا تفقد بريقها أبدًا. تشرق الشمس وكأنها أكثر دفئًا من كل الأيام السابقة، حتى الهواء يبدو مختلفًا، يحمل في نسماته عبق الأجداد وذكريات الطفولة. الأطفال يستيقظون مبكرًا، يركضون في أنحاء البيوت بأعين متلألئة، يرتدون أجمل ما لديهم من ملابس وكأنهم أبطال قصة سعيدة، ينظرون في المرايا بفرح، يتحسسون أطراف ثيابهم الجديدة، ويتحسسون العيدية في جيوبهم الصغيرة وكأنها كنز من السعادة.
أما الكبار، فابتساماتهم تشي بسرور داخلي عميق، وكأنهم يعودون إلى طفولتهم في كل عيد. المصافحة، التهاني، العناق الطويل بين الأحبة، كلها طقوس لا تفقد رونقها أبدًا. العيد هنا ليس مجرد ثياب جديدة وحلوى، بل هو روح تعانق الأرواح، تجمع الشتات، وتلملم ما بعثرته الأيام من شوق وغياب. في العيد، يعود البعيد، يطرق الأبواب التي غلقها الزمن، ويجلس الكل في دوائر المحبة كأنهم لم يتفرقوا يومًا.
الشوارع في وطني يوم العيد لا تشبه نفسها في أي يوم آخر. تمتلئ بالحياة، بالألوان، بالحركة الدائمة. الضحكات تتعالى من كل ركن، الأطفال يركضون بين الأزقة، الكبار يسيرون ببطء، يلقون السلام على بعضهم وكأنهم عائلة واحدة كبيرة، والأهل يتجمعون حول الموائد العامرة بالأطعمة الشهية، يتشاركون اللقيمات كما يتشاركون الأحاديث والمشاعر.
وفي العيد، تمتد يد الخير أكثر من أي وقت آخر. الفقراء يجدون في هذا اليوم لحظة دفء نادرة، أبواب البيوت تفتح، الأيدي تقدم، والقلوب تتسع للجميع. العيد في وطني هو لحظة إنسانية عميقة، حيث تتلاشى الفروقات، وتذوب المسافات، ويصبح الجميع واحدًا تحت مظلة الفرح.
ثم يأتي المساء، حين تهدأ الأجواء قليلًا، ويعود كل شخص إلى بيته محملًا بكل ما جمعه هذا اليوم من لحظات جميلة. تهدأ الضحكات، لكن الأثر الذي يتركه العيد في القلوب لا يزول أبدًا. نشعر وكأننا وُلدنا من جديد، وكأن الأيام القادمة ستكون أكثر لطفًا لأن العيد منحنا هذا الإحساس العميق بالامتنان والرضا.
هكذا هو العيد في وطني، ليس يومًا يمرّ، بل ذكرى تُحفر في القلب، وجرعة من السعادة تُبقي أرواحنا حيّة حتى يأتي عيدٌ جديد، فنعيش الفرحة مرة أخرى، وكأنها لم تمر من قبل.
إرسال تعليق