ظمأ الروح

 


مهندسة شهد القاضي 


يقولون إن الجائع يمكنه أن يُشبع غيره، وإن العطشان قادر على سقاية من حوله، وإن من لم يجد الحنان قد يكون أحنّ الناس... لكن الحقيقة أكثر قسوة مما نظن: فاقد الشيء لا يعطيه، لأنه ببساطة لا يملكه.


كيف يمنح الحبَ من لم يعرف دفئه؟ كيف يكون الأمانُ لمن عاش عمره يخشى السقوط؟ كيف يمنح الطمأنينةَ من لم يختبرها يومًا؟ الإنسان يعطي مما امتلأ به، وإن كان قلبه خاليًا، فكيف يهب ما لا يسكنه؟


رأيتُ من حُرم العطفَ قاسيًا، ومن ذاق الخذلانَ خائفًا، ومن عاش الوحدةَ جدارًا لا يُكسر.. ليس لأنه لا يريد العطاء، بل لأنه لم يتعلّم كيف، لم يتذوقه ليعرف طعمه، لم يلمسه ليعرف كيف يُمنح.. كأن الحرمان يترك فجوةً داخله، لا تُملأ بالمحاولات ولا بالنوايا، بل تظل شاهدة على ما لم يكن يومًا له.


نحن صورة لما مررنا به، نحمل آثار من سبقونا، وظلال الأيام التي شكّلتنا.. البعض يتعلم، يكسر القاعدة، يبحث عن النور وسط العتمة، لكنه يظل دائمًا في معركة داخلية مع ما ينقصه.. والبعض الآخر يضيع بين ما فقده، يكرر الدائرة ذاتها، كأن النقص الذي في داخله قد أصبح جزءًا لا يتجزأ منه.


الواقع أن من لم يُغدَق عليه الحبُّ لن يصبح نهرًا، بل صحراء عطشى، تتوق إلى قطرة، لكنها لا تعرف كيف تتحول إلى نبع.

Post a Comment

أحدث أقدم