بقلم الكاتبة الصحفية/سهام فودة
كثيرًا ما كنا نلقي اللوم على الزمن، هذا الشبح الغامض الذي يركض بسرعة لا تلين، يدفعنا إلى الزوايا الحادة في حياتنا، ويتركنا نتخبط في دوامة من الأحزان. كنا نردد: "الزمن قاسٍ، الزمن ظالم!"، لكن شيئًا فشيئًا بدأت ملامح الحقيقة تتضح، وأدركنا أن الزمن، مهما بدا غامضًا، ليس سوى مرآة صامتة، لا تقسو ولا ترحم، فقط تعكس أفعالنا نحن البشر.
منذ متى أصبحنا نضع قسوة العالم على كاهل الزمن؟ الواقع أن الزمن بريء، والمجرم الحقيقي هو تلك النفوس التي تسكن حولنا. أولئك الذين يرتدون أقنعة المهرجين ليخفوا نواياهم، يتراقصون على حبال النفاق، ويبيعون كلماتهم بثمن بخس. وجوههم مزينة بابتسامات براقة، لكنها تخفي ظلالاً ثقيلة من الجفاء والكذب.
هل نلوم الزمن على أن أرواحنا أنهكتها الخيانة؟ أم نلومه لأن الضمير بات عملة نادرة؟ الحقيقة أن المعاناة تأتي من البشر الذين ماتت ضمائرهم، الذين جعلوا الكذب حرفة، والخداع أسلوب حياة. الزمن لم يكن قاسيًا يومًا، بل نحن من صنعنا القسوة بأيدينا.
أحيانًا، نرى في مواقف بسيطة انعكاسًا لهذا الخلل: صديق خان عهده، قريب استباح أسرارك، أو زميل يتسلق سلم نجاحه على أكتاف تعبك. لحظات كهذه تجعلنا نتساءل: هل نحن في غابة أم بين بشر؟
لكن في المقابل، هل يمكن أن يكون الحل أيضًا في أيدينا؟ ماذا لو قررنا ألا نسمح للمنافقين بالتحكم في مصائرنا؟ ماذا لو أصبحنا نحن الأضواء التي تمحو ظلامهم؟ ربما الحل ليس في الهروب من هذا الواقع، بل في مواجهته بشجاعة. أن نزرع في أنفسنا قيمًا لا تنكسر، ونختار أن نبقى بشرًا رغم كل شيء.
فلنتوقف عن لوم الزمن، ولننظر حولنا بعين ناقدة، ولنبدأ رحلة إصلاح ذاتنا أولاً. الزمن ليس مخيفًا، نحن من نختار كيف نمضي خلاله. الزمن هو الوعاء، والبشر هم الحبر الذي يلون حياتنا. فلنجعل ألواننا أصدق وأبهى، حتى وإن كان من حولنا يعبثون بالسواد.
لأن الزمن... ليس الجاني، بل هو الشاهد الصامت فقط.
إرسال تعليق